"الوزير نعمان".. سر "القفشة" التي تحولت إلى جهاز اعلامي اسمعلاوي متنقل في ضيافة السادات

مكتوب بواسطة Abouzekri
  • منذ 15 ساعة
  • 108


"الوزير نعمان".. سر "القفشة" التي تحولت إلى جهاز اعلامي اسمعلاوي متنقل في ضيافة السادات

"الوزير نعمان".. سر "القفشة" التي تحولت إلى جهاز اعلامي  متنقل في ضيافة السادات

بقلم/ إبراهيم أبوذكري 

في تاريخ الأمم والمدن، هناك شخصيات لا تدونها كتب التاريخ الرسمي، لكنها تحفر أسماءها بحروف من نور وخفة ظل في ذاكرة الشعوب. مدينة الإسماعيلية الباسلة، التي ارتبطت دائماً بالمقاومة والجمال، كانت على موعد مع نوع فريد من الحكايات التي جمعت بين قمة السلطة وبساطة المواطن المصري. حكاية بطلها رجل رحل عن دنيانا منذ أيام، لكنه ترك خلفه إرثاً من البهجة، وعلاقة استثنائية بالرئيس الراحل محمد أنور السادات، بدأت بنكتة وانتهت بلقب عاش به ومات عليه: 

الوزير نعمان ليل الإسماعيلية.. عندما يخلع الرئيس عباءة السياسة

كان الرئيس الراحل أنور السادات يعشق الإسماعيلية، ويتخذ من استراحته المطلة على القناة ملاذاً يستريح فيه من عناء السياسة والاقتصاد ودهاليز الحكم. في تلك الاستراحة، كانت تُعقد جلسات محدودة للغاية، لا يتعدى حضورها عشرة أفراد، يتقدمهم محافظ الإسماعيلية الأسبق الديناميكي عبد المنعم عمارة، وبعض ضيوف مصر من القادة والزعماء الدوليين والعرب الذين كان السادات يفضل غمرهم بـ"دفء الصداقة المصرية" لانتزاع قرارات مصيرية لصالح الوطن.
لكن هذه الجلسات لم تكن كلها بروتوكولات جامدة؛ فالسادات الذي عُرف بخفة دمه وعشقه للابتسام والتواضع الشديد، كان يحتاج إلى "ميزان" يضبط به مزاج الجلسة. وهنا كان يأتي دور "نعمان".

هندسة البهجة.. كيف أصبح "نعمان" مزاج الرئيس؟

بجثمانه المميز، وذكائه الفطري الذي كان يغلّفه بادعاء البساطة والسذاجة وأحياناً "الغباء المصنوع"، كان نعمان يعرف بدقة "مفاتيح" الرئيس السادات. 
يعلم ما يضحكه فيتوسع فيه، وما يغضبه فيتجنبه، حتى أصبح بمثابة "الترمومتر" لنفسية الرئيس. كان السادات فور وصوله للإسماعيلية يطلب من المحافظ عبد المنعم عمارة أن يكون نعمان أول الحاضرين.
وفي إحدى تلك السهرات، وبينما كان السادات يضحك من قلبه مستمتعاً بلحظة فصلته تماماً عن هموم الدولة ليصبح "ورقة بيضاء" من فرط الارتياح، قرر نعمان أن يقتنص الفرصة بذكائه المعهود.

نعمان مبادراً وسط ضحكات الرئيس: ممكن يا ريس تتوسط لي أو تشغلني معاك؟"
السادات بخفة دمه المعهودة:
تشتغل إيه عندي يا نعمان؟ أنا مش بعين موظفين.. أنا بعين وزراء!"
نعمان بلا تردد: وأنا موافق يا ريس! 

ضجت القاعة بالضحك، وتداخلت أصوات الحاضرين ترفيهاً، فنظر السادات إلى الوجوه المبهجة حَوْله، وقرر أن يتماشى مع تلك اللحظة الإنسانية النادرة، فقال: وما المانع؟
عينتك وزير هذه الجلسة، لك أن تتحكم فيها كما تشاء بصلاحيات رئيس الجمهورية!"** ومنذ تلك الليلة، وطوال السهرة، كان الرئيس يناديه "يا وزير نعمان"، ليرحل الرئيس وتظل الإسماعيلية بأكملها تناديه طوال عقود بـ الوزير نعمان

الوصية المقدسة" لمحافظي الإسماعيلية
لم تكن تولي نعمان لهذه "الوزارة الشرفية" مجرد نكتة عابرة؛ بل تحولت إلى تقليد. فمنذ عهد عبد المنعم عمارة، تعاقب المحافظون على الإسماعيلية، وكان المحافظ الراحل يوصي المحافظ القادم بـ"الوزير نعمان" خيراً، كأنه جزء من بروتوكول استلام المحافظة وإرثها الإنساني.
مستغلاً هذه الشهرة والمحبة الجارفة، لم يجلس نعمان منتظراً، بل أسس "جهازه الإعلامي الخاص". اشترى سيارة ملاكي، وضع فوقها ميكروفوناً، وتحول إلى وزير إعلام الإسماعيلية الشعبي"كان يطوف شوارع المدينة وأحيائها ليصبح الإذاعة المحلية المتنقلة؛ يعلن عن الجنازات والمواساة، يزف التهاني في الأفراح، ويعلن عن افتتاح المشروعات.

الإذاعة المتنقلة في قلب الأحداث
ولكاتب هذه السطور تجارب شخصية عديدة مع هذا الرجل الاستثنائي؛ ففي مؤتمرات التنمية والاستثمار التي كانت تُعقد بالمحافظة، وفي الحفلات والمؤتمرات التي كنتُ أقدمها على مسرح الثقافة، كان "الوزير نعمان" يقف بسيارته ميكروفونه أمام البوابة الرئيسية.
لم يكن مجرد شخص يهتف، بل كان يمتلك "قاعدة بيانات" بشرية مذهلة. يعرف رموز الإسماعيلية، مشاهيرها، رجال أعمالها، وأصحاب القرار فيها بالاسم. يرحب بكل قادم بصفته ووظيفته وكيانه، ويربط هذا الترحيب بالحدث المقام داخل المسرح، لدرجة أن الحضور كانوا يشعرون بأهمية الحدث قبل أن تطأ أقدامهم القاعة. حتى في اجتماعات الجمعيات العمومية والانتخابات المحلية والاستفتاءات الدستورية، كان نعمان هو الموجه الإيجابي والمنبه الشعبي لحشود المواطنين.
   رحيل "الوزير" وبقاء السيرة
قد يقول البعض، بدافع التبسيط، إن نعمان كان يمارس نوعاً من "التطبيل" أو المداهنة، لكن الحقيقة التي يعلمها أهل الإسماعيلية وعاشقوها أن هذا العمل كان "مزاجه، ورحلته، وحياته" التي اختارها وصنع فيها مجده الخاص. لقد كان رجلاً يصنع البهجة في مجتمع مدني أحبه واحترمه.
رحم الله "الوزير نعمان"، الذي غادر دنيانا منذ أيام ليلحق برئيسه الذي منحه اللقب يوماً على سبيل الدعابة، فحوّله الرجل ببساطته إلى حقيقة عاشت في قلوب أهل الإسماعيلية. رحل جسداً، وبقيت صدى كلماته عبر الميكروفون تنساب في أزقة المدينة، تذكرنا بزمن كان فيه الضحك الصافي جواز سفر إلى قلوب الملوك والرؤساء.


"الوزير نعمان".. سر "القفشة" التي تحولت إلى جهاز اعلامي اسمعلاوي متنقل في ضيافة السادات


قناة الإتحاد
إستطلاعات الرأي