من ضجيج النجومية إلى نبض الإنسان… «أصحاب الأرض» يعيد للدراما المصرية معناها
بقلم: إبراهيم أبوذكري
في وقتٍ تتسابق فيه الأعمال الدرامية على تضخيم صورة البطل الفرد وتغليب منطق القوة والاستعراض، يطل مسلسل أصحاب الأرض بوصفه تجربة مختلفة تعيد الاعتبار للفكرة قبل النجم، وللإنسان قبل البطولة المصطنعة. يقدم العمل، الذي يشارك في بطولته إياد نصار ومنة شلبي، نموذجًا دراميًا يزاوج بين الحس الإنساني والرؤية التوثيقية، في لحظة فنية تبدو كأنها مراجعة هادئة لمسارٍ طويل من الإنتاج الذي انشغل بالصخب أكثر من انشغاله بالمعنى. وبينما تتصاعد الدعوات الرسمية والثقافية، ومنها ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى دراما تعزز الوعي وتحمي القيم المجتمعية، يجيء هذا العمل ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للفن أن يستعيد دوره كقوة بناء لا مجرد وسيلة ترفيه عابر؟
مسلسل «أصحاب الأرض» كحالة فنية تستحق التوقف أمامها طويلًا، لا باعتباره مجرد عمل ناجح، بل بوصفه علامة فارقة تكشف حجم الفجوة بين ما ينبغي أن تكون عليه الدراما المصرية وما آلت إليه في كثير من إنتاجاتها الأخيرة.
لقد شهدت السنوات الماضية انفجارًا فيما يمكن تسميته بـ«دراما الاستعراض الشخصي»؛ أعمال تُصاغ حول النجم لا حول الفكرة، وتُكتب لخدمة حضوره الجسدي وصورته البطولية، حيث البلطجة تتحول إلى بطولة، والفهلوة تُقدَّم كذكاء اجتماعي، والعنف يصبح وسيلة للهيمنة الدرامية لا أداة لكشف التناقض الإنساني. في هذه الأعمال، يغيب الإنسان الحقيقي، وتُستبدل معاناته الحقيقية بسرديات القوة الخارقة والانتصارات الفردية التي لا تمتّ بصلة إلى واقع الجمهور ولا إلى مسؤولية الفن.
هذا الاتجاه لا يضر فقط بالذائقة العامة، بل يخلق انفصالًا بين الدراما والمجتمع. فبدلًا من أن تكون الشاشة مرآة تعكس هموم الناس وتناقش قضاياهم، تحولت في كثير من الأحيان إلى منصة لتسويق صورة نجم أو تعزيز حضور شركة إنتاج. وهنا يصبح السؤال ملحًا: أين الدراما التي تبني الوعي؟ أين الفن الذي يعالج القضايا الإنسانية بعمق وصدق؟
وسط هذا المشهد، يأتي مسلسل «أصحاب الأرض» ليكسر النمط السائد. العمل لا يعتمد على استعراض القوة ولا على تضخيم البطولة الفردية، بل ينطلق من رؤية إنسانية واضحة، تعيد الاعتبار لفكرة أن الدراما فعل ثقافي قبل أن تكون منتجًا ترفيهيًا.
يقدم المسلسل معالجة إنسانية للقضية الفلسطينية، لا من زاوية الشعارات، بل من خلال قصص بشرية نابضة بالحياة، تضع المشاهد أمام تجربة وجدانية تتجاوز السياسة إلى عمق المعاناة الإنسانية المشتركة.
العمل لا يكتفي بعرض المأساة، بل ينسج علاقة وجدانية بين الإنسان وأرضه، بين الهوية والذاكرة، وبين التضامن الإنساني الذي يتجاوز الحدود. وهنا تتجلى إحدى أهم ميزاته: قدرته على تحويل القضية إلى تجربة شعورية يعيشها المتلقي، لا مجرد خطاب يُلقى عليه. هذه القدرة على الإدخال الهادئ للفكرة إلى وجدان المشاهد هي ما افتقدته كثير من الأعمال التي اكتفت بالصراخ بدل التعبير.
فنيًا، يقترب المسلسل من روح الدراما التوثيقية دون أن يفقد حسه الدرامي. هناك توازن واضح بين الرؤية الفكرية والبناء الفني؛ الشخصيات ليست أدوات دعائية، بل كائنات إنسانية متعددة الأبعاد، تتصارع داخلها المشاعر والخيارات والتناقضات. الإخراج يبتعد عن المبالغة، ويعتمد على لغة بصرية هادئة تمنح الحدث صدقيته.
أما الأداء التمثيلي فيقوم على الانضباط لا الاستعراض، وعلى التعبير الداخلي لا الانفعال الخارجي.
وإذا كانت الدراما المصرية قد تعرضت لانتقادات واسعة بسبب انتشار موضوعات العنف والمخدرات وتفكك الأسرة، فإن «أصحاب الأرض» يقدم نموذجًا مختلفًا لما يمكن أن تكون عليه الدراما عندما تلتزم بمسؤوليتها الثقافية والاجتماعية.
العمل يطرح نموذجًا إنسانيًا للتضامن، ويعيد الاعتبار لقيم الانتماء والرحمة والوعي التاريخي، دون أن يسقط في المباشرة أو الوعظ.
ولا يمكن إغفال أن ظهور مثل هذا العمل يعكس حاجة الجمهور نفسه إلى مضمون مختلف. فالمشاهد لم يعد يبحث فقط عن الإثارة السطحية، بل عن قصة تمسه وتخاطب وجدانه.
النجاح الذي حققه المسلسل يثبت أن الجودة ليست ترفًا، وأن الفن الجاد قادر على المنافسة حين تتوافر له الرؤية والإرادة.
إن الإشادة بمسلسل «أصحاب الأرض» بكل أبطاله بدون استثناء فالكل قدم ما عليه بحرفية ابداعية لم تترك لناقد ان يزايد عليهم وهذا لا تعني تجاهل مشكلات الصناعة، بل على العكس، تكشفها بوضوح أكبر. فالعمل يمثل استثناءً يؤكد القاعدة، ويطرح سؤالًا حاسمًا أمام صُنّاع الدراما: هل يمكن أن تتحول هذه التجربة إلى اتجاه عام؟ أم ستظل ومضة فنية في محيط من الإنتاج التجاري السريع؟
الدراما المصرية تمتلك تاريخًا عريقًا صنعته أعمال خالدة رسخت في وجدان الجمهور العربي، لأنها كانت تعبر عن الإنسان قبل النجم، وعن الفكرة قبل السوق. واستعادة هذا الدور ليست مهمة مستحيلة، بل خيار إبداعي يحتاج إلى شجاعة فنية ورؤية ثقافية تؤمن بأن الفن ليس سلعة فقط، بل رسالة أيضًا.
إن قيمة «أصحاب الأرض» لا تكمن فقط في تميّزه وسط موسم درامي مزدحم، بل في قدرته على تذكيرنا بما يمكن أن تكون عليه الدراما حين تنحاز للإنسان وقضاياه الحقيقية. فهو عمل يثبت أن الفن الجاد قادر على الوصول إلى الجمهور دون أن يتخلى عن عمقه، وأن التأثير الصادق لا يحتاج إلى ضجيج. وبين نقد واقع الصناعة والإشادة بهذا الاستثناء، تبقى الرسالة الأهم واضحة: مستقبل الدراما المصرية مرهون بقدرتها على استعادة التوازن بين الجاذبية الفنية والمسؤولية الثقافية، وبين نجاح السوق وصدق التعبير. وعندما يتحقق هذا التوازن، لا تربح الدراما وحدها… بل يربح وعي المجتمع بأكمله.
في النهاية، يظل «أصحاب الأرض» عملًا يستحق الإشادة لأنه أعاد التوازن إلى معادلة اختلت طويلًا: معادلة الفن والإنسان. وهو في الوقت ذاته دعوة صريحة إلى مراجعة مسار الدراما المصرية، حتى تستعيد قدرتها على التأثير الحقيقي، لا الضجيج المؤقت. فالفن الذي يخاطب الوجدان لا يزول، والدراما التي تنحاز للإنسان تبقى