إلى نقيب الصحفيين نحن معك.. لقد حان الوقت لحماية القلم.

مكتوب بواسطة Abouzekri
  • منذ 14 ساعة
  • 8


إلى نقيب الصحفيين نحن معك.. لقد حان الوقت لحماية القلم.

إلى نقيب الصحفيين نحن معك.. لقد حان الوقت لحماية القلم. 

بقلم إبراهيم ابوذكري  

لا نريد للصحفي حصانة تجعله فوق القانون، نريد حماية قانونية تصون المهنة وتحميه من التعسف أثناء أداء رسالته خاصة ممن هم في بداية الطريق المحتاجين الاحتواء والتعلم لتصحيح   الأخطاء المهنية إذا وقعوا فيها ..!!
 
 الفارق بين الأمرين (الحصانة والحماية) فرق جوهري؛ فالحصانة تعني إعفاء الشخص من المساءلة، أما حماية المهنة فتعني توفير ضمانات إجرائية للصحفي عندما يمارس عمله، مع بقاء حق الدولة كاملًا في محاسبته إذا ارتكب جريمة. 

قرأت بيان نقيب الصحفيين الكاتب الصحفي خالد البلشي  ، فتوقفت أمام ما تضمنه من مطالبات ومواقف تتصل بكرامة الصحفي وحماية المهنة. 

ولم أتعامل معه باعتباره مجرد بيان نقابي عابر يدافع عن الشباب المحتجزين حاليا قيد التحقيق، بل قرأته من زاوية رجل عاش الصحافة ومارسها، ويعرف أن القلم ليس مجرد وسيلة للكتابة، وإنما أمانة ورسالة وموقف.

وأعلن دعمي له؛ لا لأنه يطلب امتيازًا شخصيًا، وإنما لأنه يتحمل مسؤولية الدفاع عن الصحفيين وحرية الصحافة وحق المجتمع في المعرفة.

وأقولها بوضوح: إنني أساند النقيب، وأدعمه، وأرى أن من واجبنا أن نقف إلى جواره، لا لأنه يطلب امتيازًا لشخصه، وإنما لأنه شاب يحمل مسؤولية ثقيلة، ويقود نقابة تمثل واحدة من أهم القوى المهنية المؤثرة في مصر.

إن نقيب الصحفيين، رغم حداثة سنه، يملك ثقلًا لا يقل عن ثقل أعلى المناصب في الدولة عندما يتحدث باسم الصحفيين، ويدافع عن حرية الصحافة، ويطالب بحماية القلم، ويضع أمام المجتمع قضايا تتصل بالوعي والحق في المعرفة. 
فهو لا يمثل فئة مهنية عادية، وإنما يقف على رأس نقابة العاملين في التنوير، وأصحاب الرسالة التي تصنع الوعي، وتكشف الخلل، وتراقب الأداء، وتنقل الحقيقة إلى الناس.

وأنا هنا لا أتحدث عن الصحفي الذي يخطئ أو يتجاوز القانون، ولا أطالب بحماية أحد من المساءلة إذا ارتكب جريمة، ولا أقول إن الصحفي فوق القانون؛ فهذا كلام لا يستقيم مع دولة القانون.

إنني أتحدث عن حماية المهنة نفسها، وعن الضمانات التي ينبغي أن تحيط بالصحفي وهو يؤدي عمله، وعن ضرورة أن يكون للقلم احترامه، كما أن لكل مهنة من المهن التي ترتبط بمصالح المجتمع ضماناتها الخاصة.

وأتذكر هنا ما تعلمناه نحن في بداياتنا، ونحن محررون تحت التمرين، عندما كنا ندخل عالم الصحافة ونكتشف شيئًا فشيئًا أن هذه المهنة ليست مجرد كتابة خبر أو إجراء حوار أو إعداد تحقيق.

تعلمنا أن الصحافة تقع في قلب المجتمع، وأن الصحفي قد يقف في لحظة ما أمام قضية تمس الأمن أو القضاء أو الاقتصاد أو حياة الناس أو حقوقهم أو مؤسسات الدولة، وقد يجد نفسه داخل منطقة شديدة الحساسية والخطورة ايضا  لا تحتمل الجهل ولا التسرع ولا الخوف.

وتعلمنا أن الصحفي، وهو يمارس مهنته، يتحرك في مساحات شديدة الاتساع؛ من الشارع إلى المحكمة، ومن موقع الحدث إلى المؤسسة الحكومية، ومن التحقيق الصحفي إلى قضايا الرأي العام، ومن الصحافة المكتوبة إلى الإذاعة والتليفزيون، ثم إلى العالم الرقمي الذي أصبح فيه الخبر ينتقل في ثوانٍ إلى ملايين البشر.

ولهذا فإن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس: لماذا يحصل المحامي على حماية قانونية ولا يحصل الصحفي عليها؟

السؤال الصحيح هو: لماذا لا تكون للصحفي ضمانات قانونية تتناسب مع طبيعة عمله ومسؤوليته؟

قانون المحاماة، بل والدستور نفسه، أدركا طبيعة مهنة المحاماة باعتبارها مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بحق الدفاع وتحقيق العدالة. 
ولذلك قرر الدستور للمحامين ضمانات وحماية أثناء تأدية حق الدفاع، ونص على أنه في غير حالات التلبس لا يجوز القبض على المحامي أو احتجازه أثناء مباشرته حق الدفاع، وذلك وفقًا للقانون.

وهنا أتوقف.

إذا كان المشرع قد أدرك أن طبيعة عمل المحامي تقتضي ضمانات خاصة حتى يستطيع أن يؤدي رسالته، فلماذا لا نفتح الباب أمام المشرع نفسه ليدرس طبيعة العمل الصحفي، وأن يضع له ضمانات تتناسب مع رسالته؟

لا أقول إننا ننسخ نصوص قانون المحاماة ونضعها كما هي في قانون الصحافة؛ فالمهن مختلفة، والوظائف مختلفة، والاختصاصات مختلفة.

ولكنني أقول إن الفكرة نفسها تستحق الدراسة.

فالصحفي قد يكون في موقع الحدث قبل الجميع، وقد يدخل إلى منطقة لا يجرؤ غيره على دخولها، وقد يحمل مسؤولية نشر معلومة تتعلق بالأمن أو الصحة أو الفساد أو المال العام أو حقوق المواطنين، وقد يكون عليه أن يحاور مسؤولًا أو يكشف واقعة أو يتابع قضية أو ينقل الحقيقة من مكان لا يستطيع الجمهور الوصول إليه.

والصحفي المهني لا يستطيع أن يؤدي هذه الرسالة إذا كان يعمل دائمًا تحت هاجس أن صفته المهنية لا تمنحه أي حماية إجرائية خاصة أثناء مباشرته لعمله.

والأمر أصبح أكثر إلحاحًا اليوم.

فالصحافة لم تعد جريدة تصدر صباحًا، ولا مذيعًا يجلس أمام كاميرا في استوديو، ولا محررًا يكتب تحقيقًا في غرفة مغلقة.

الصحافة أصبحت صناعة متكاملة، مقروءة ومسموعة ومرئية ورقمية، وأصبحت الكلمة والصورة والفيديو والبث المباشر أدوات يومية في تشكيل الرأي العام، وأصبح الصحفي في قلب أكثر القضايا حساسية في المجتمع.

ومن هنا أعود إلى نقيب الصحفيين.

إنني لا أراه مجرد نقيب شاب يؤدي دورًا نقابيًا محدودًا، بل أراه في موقع وطني بالغ الأهمية. فالنقيب يقف على رأس نقابة العاملين في التنوير، ومن الطبيعي أن يكون لصوته وزن كبير، وأن تكون مواقفه محل اهتمام الدولة والمجتمع، لأن الصحافة ليست مهنة منعزلة عن الناس، وإنما هي إحدى الأدوات الأساسية التي يتشكل بها الوعي العام.

وقد يختلف البعض مع النقيب في أسلوب أو موقف أو توقيت، وهذا حق مشروع، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من مكانة الموقع الذي يشغله أو من قيمة الرسالة التي يحملها. فالنقيب، وهو شاب، يحتاج إلى الدعم والمساندة، لا إلى التشكيك المستمر، ما دام يتحرك في إطار الدفاع عن المهنة وكرامة الصحفيين وحق المجتمع في المعرفة.

إن دعم النقيب لا يعني منحه شيكًا على بياض، ولا يعني الموافقة على كل تفصيل، وإنما يعني الوقوف إلى جواره في القضايا الكبرى، وتشجيعه على فتح الملفات المؤجلة، ومطالبته في الوقت نفسه بتحويل المواقف إلى خطوات عملية واضحة.

هل يستطيع النقيب أن يطالب بتعديل تشريعي يمنح الصحفي ضمانات إجرائية خاصة أثناء مباشرته عمله؟

في تقديري: نعم، وهذا تحديدًا أحد الأدوار التاريخية للنقابة.

ليس المطلوب أن يطالب النقيب بإلغاء القانون أو تعطيل سلطة النيابة أو الشرطة أو القضاء، وليس من حق النقابة أن تصبح سلطة فوق سلطات الدولة.

والدستور نفسه أعطى النقابات المهنية مكانتها، ونص على استقلالها، وعلى أن القانون ينظم إنشاءها وإدارتها، كما نص صراحة على أن يؤخذ رأي النقابة في مشروعات القوانين المتعلقة بها.

ولعل من أهم ما يمكن أن تبحثه نقابة الصحفيين وضع نص تشريعي واضح يحدد الحالات التي تستوجب إخطار النقابة عند القبض على الصحفي أو التحقيق معه بسبب عمله، وحق النقابة في حضور الإجراءات المهنية ذات الصلة، على نحو لا يمس اختصاص النيابة العامة ولا استقلال القضاء.

وقد يكون من المفيد أيضًا أن يميز القانون بين الصحفي الذي يُتهم في واقعة شخصية لا علاقة لها بمهنته، وبين الصحفي الذي يكون الاتهام موجهًا إليه بسبب تحقيق أو خبر أو تغطية أو ممارسة مهنية.

فليس من المنطقي أن نساوي بين الحالتين.
إنني أكتب هذا الكلام من موقع من عاش الصحافة قبل أن تصبح صناعة ضخمة، وعاش تحولاتها من الورق إلى الصوت والصورة ثم إلى الفضاء الرقمي.

وإذا كان القانون قد منح المحامي ضمانات خاصة لأنه يؤدي رسالة ترتبط بالعدالة وحق الدفاع، فإن الصحفي يؤدي رسالة ترتبط بحق المجتمع في المعرفة، وحرية التعبير، وتداول المعلومات، ومراقبة ما يحدث في المجتمع.
 
 لكنه أيضًا ليس مواطنًا عاديًا عندما يكون واقفًا في الصف الأول من أجل أن يعرف الناس الحقيقة.
ونقيب الصحفيين ليس مجرد موظف نقابي أو متحدث باسم مجموعة محدودة، وإنما هو صوت قطاع كامل من العاملين في صناعة الوعي، وصاحب موقع له ثقله في الدولة والمجتمع. ومن حقه علينا، وهو شاب يتقدم الصفوف، أن نسانده ونشجعه ونطالبه بالإنجاز، لا أن نتركه وحيدًا في مواجهة ملفات ثقيلة تراكمت عبر سنوات طويلة.

نحن لا نريد حصانة للقلم من القانون.
نريد حصانة القانون للقلم من التعسف.

وهنا، في رأيي، تبدأ المعركة الحقيقية من أجل احترام الصحافة.
فاحترام الصحفي ليس احترامًا لشخصه فقط، وإنما احترام للرسالة التي يحملها.
وحماية الصحفي المهني ليست حماية لفرد، وإنما حماية لحق المجتمع في أن يعرف.
ومن هنا أقول لنقيب الصحفيين:
افتح هذا الباب، لا باعتباره ملفًا قابلًا للتأجيل، بل باعتباره استحقاقًا تشريعيًا عاجلًا.

وعلى النقابة أن تتخذ خطوة عملية واضحة: تشكيل لجنة قانونية ومهنية خلال مدة محددة، تضم ممثلين عن مجلس النقابة وشيوخ المهنة وأساتذة القانون، لإعداد مشروع تعديل متكامل يُعرض على الجمعية العمومية، ويتضمن نصًا صريحًا يقرر إخطار النقابة فور القبض على الصحفي أو التحقيق معه بسبب عمله، وتمكين ممثلها من الحضور في الإجراءات ذات الصلة، والتمييز بين الاتهام المرتبط بالممارسة الصحفية والاتهام الشخصي، مع التأكيد على عدم المساس باختصاص النيابة العامة أو استقلال القضاء.

وعلى المشرّع، بعد وصول هذا المشروع، أن يدرسه علنًا وفي إطار زمني معلوم، وأن يحوّل هذا المطلب إلى نص قانوني ملزم، لا إلى وعد مؤجل أو توصية عابرة.

نكرر
 نحن لا نريد حصانة للقلم من القانون.
نريد حصانة القانون للقلم من التعسف.


إلى نقيب الصحفيين نحن معك.. لقد حان الوقت لحماية القلم.


قناة الإتحاد
إستطلاعات الرأي