عندما ينتصر القانون ويتوقف بيع الهواء… تبدأ عودة الإعلام المصري بجودة المحتوي .

مكتوب بواسطة Abouzekri
  • منذ 13 ساعة
  • 31


عندما ينتصر القانون ويتوقف بيع الهواء… تبدأ عودة الإعلام المصري بجودة المحتوي .

عندما يتوقف بيع الهواء… تبدأ عودة الإعلام. 

بقلم: د. إبراهيم أبوذكري

أخيرًا… جاء القرار الذي طال انتظاره.

وليس لأنني فوجئت به، بل لأنني كنت، منذ سنوات، أطالب به في كل محاضرة وندوة ومؤتمر ولقاء إعلامي، محذرًا من ظاهرة خطيرة تسللت إلى بعض الفضائيات حتى كادت تتحول إلى عرف، وهي ظاهرة “بيع الهواء” أو “تأجير الشاشة”، حيث أصبح المال – لا الكفاءة – هو جواز المرور إلى بيوت المصريين.

قلت مرارًا إن الشاشة ليست عقارًا للإيجار، وليست “كشكًا” يفتحه من يملك ثمن البث، وإنما منبر لصناعة الوعي، ومساحة تحكمها المسؤولية قبل أن تحكمها العقود.

وللأسف، شهدنا خلال السنوات الماضية اقتحام المجال الإعلامي بواسطة أشخاص لا يحملون من الإعلام سوى لقب اشترته عقود الإنتاج المشترك أو برامج مدفوعة الثمن. بعضهم لا يمتلك تأهيلاً علميًا، ولا خبرة مهنية، ولا تدريبًا إعلاميًا، ومع ذلك أصبح يقدم نفسه باعتباره إعلاميًا، ويحصل على ما يفيد بأنه “مقدم برامج”، ثم يطرق أبواب الجهات المختلفة طالبًا الاعتراف بصفة لم يصنعها العلم ولا الممارسة، وإنما صنعها المال.

وهنا مكمن الخطر.

فالإعلام ليس “سبوبة”، وليس وسيلة للوجاهة الاجتماعية، وليس بطاقة تعريف تضاف إلى الاسم، بل مهنة من أخطر المهن؛ لأنها تتعامل مع عقول الناس، وتصنع الرأي العام، وقد تهدم في ساعة ما تبنيه مؤسسات الدولة في سنوات.

لذلك أرحب بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، بمراجعة جميع عقود الإنتاج المشترك وإيقاف البرامج المخالفة، لأنه لا يعالج مجرد مخالفة تعاقدية، بل يضع يده على أحد أخطر أبواب الفوضى التي أصابت الإعلام المصري خلال السنوات الأخيرة.

فالقرار، في جوهره، إعلان واضح بأن الهواء لم يعد معروضًا للبيع، وأن زمن استئجار الشاشات لصناعة نجوم من ورق يجب أن ينتهي.

لكنني أقولها بكل وضوح: مراجعة العقود وحدها لا تكفي.

فالمرض الحقيقي أعمق من العقد، وأخطر من البرنامج.

نحن أمام خلل في مفهوم المهنة ذاته.

فحتى الآن، لا يزال السؤال مطروحًا: من هو الإعلامي؟

سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة سؤال غابت إجابته سنوات طويلة، فاختلط الإعلامي الحقيقي بمن اشترى ساعة بث، واختلط صاحب الرسالة بصاحب التمويل، حتى أصبحت الصفة تُمنح أحيانًا بعقد تجاري، بينما يفترض أن تُكتسب بالعلم والخبرة والممارسة والالتزام بأخلاقيات المهنة.

ولا أخفي دهشتي من أن مؤسسات يفترض أنها معنية بحماية المهنة لم تستطع، حتى الآن، أن تحسم هذا التعريف بصورة قاطعة، الأمر الذي فتح الباب أمام كل من أراد أن يرتدي عباءة الإعلام دون أن يتحمل مسؤولياتها.

إن الإعلام ليس تجارة، وإن كانت له صناعة. وليس مشروعًا استثماريًا، وإن احتاج إلى الاستثمار. إنه في المقام الأول رسالة وطنية، تتقدم فيها المسؤولية على الربح، والمهنية على الشهرة، والوعي على الإثارة.

ومن هنا، فإنني أعتبر القرار الأخير بداية صحيحة، لكنها لن تحقق أهدافها كاملة إلا إذا تبعتها خطوات أكثر جرأة، تبدأ بوضع تعريف قانوني ومهني واضح للإعلامي، ووضع معايير ملزمة لمن يظهر على الشاشة، وإغلاق كل المنافذ التي تسمح بالتحايل على القانون تحت مسميات الإنتاج المشترك أو الرعاية أو غيرها من الصيغ التي استخدمت أحيانًا كغطاء لبيع الهواء.

وأقولها بوضوح كما قلتها منذ سنوات: لا أحد يملك حق تأجير وعي الناس.

فالهواء ليس ملكًا لأحد، والشاشة ليست سلعة، وثقة الجمهور ليست بندًا في عقد إنتاج.

الإعلام إما أن يكون مهنة تحكمها الكفاءة والضمير، وإما أن يتحول إلى سوق، وإذا تحول إلى سوق، فلن يدفع الثمن سوى الوطن.

واليوم، وبعد صدور هذا القرار، أستطيع أن أقول إن أول معركة حقيقية لاستعادة هيبة الإعلام المصري قد بدأت… ويبقى الأهم أن تستمر حتى النهاية، بلا استثناءات، وبلا مجاملات، وبلا عودة إلى زمن كان فيه المال يشتري ما لا يجوز أن يُباع.

وكلمة أخيرة : 

إن هذا القرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تنظيمي أو حملة مؤقتة، بل هو بداية حقيقية لاستعادة المحتوى الإعلامي المهني الذي افتقده المشاهد خلال السنوات الأخيرة.

فالإعلام الذي يستحق ثقة الجمهور هو إعلام يقوم على الكفاءة والخبرة والالتزام بأخلاقيات المهنة، لا على القدرة على شراء وقت البث أو تمويل البرامج.

استمرت هذه المراجعة بحزم وشفافية، وأُغلقت كل منافذ الالتفاف على القانون، فإننا سنكون أمام مرحلة جديدة تعود فيها الشاشة المصرية إلى دورها الطبيعي؛ منبرًا للتنوير، وصناعة الوعي، واحترام عقل المواطن، لتستعيد مكانتها وريادتها التي طالما كانت عنوانًا للإعلام العربي الجاد.

وأرى أن أختم المقال بعبارة أصبحت مناسبة لهذه القضية:

“إن أخطر أنواع الفساد ليس شراء الذمم… بل شراء المنابر، لأن الذمم تفسد أفرادًا، أما المنابر فقد تفسد أمة بأكملها.”


عندما ينتصر القانون ويتوقف بيع الهواء… تبدأ عودة الإعلام المصري بجودة المحتوي .


قناة الإتحاد
إستطلاعات الرأي