أشرف زكي… والتجاعيد التي تستحق التصفيق وكل انحناءة على الجبين تحمل حكاية نجاح ..!!
بقلم: د. إبراهيم أبوذكري.
ليس كل ما يوجع العين يكون مؤلمًا للقلب...
فخلال الأيام الماضية، شاهدت كما شاهد الملايين صورًا ومقاطع فيديو لفنانين كبار يقيمون في دار رعاية الفنانين التابعة لنقابة المهن التمثيلية، ذلك المشروع الإنساني الذي يقوده الدكتور أشرف زكي.
وقرأت عشرات التعليقات التي اختلط فيها الحب بالألم، والوفاء بالدهشة، حتى ظن البعض أن تلك الصور قاسية لأنها كشفت ملامح الزمن على وجوه أحببناها يومًا وهي تملأ الشاشة شبابًا وحيويةً وجمالًا.
ولم أستطع أن أغضب ممن انتقد...
فهم لم يروا تجاعيد الوجوه، بل رأوا أعمارهم هم.
رأوا طفولتهم،
وشبابهم،
وأيامًا كانت تمر وهم ينتظرون ظهور هؤلاء النجوم على الشاشة.
كانت الصدمة في الحقيقة صدمة مع الزمن، لا مع أصحاب الصور.
لكنني، وأنا أتأمل تلك الوجوه طويلًا، رأيت شيئًا آخر...
رأيت عمرًا كاملًا وقد تحول إلى قصيدة.
هناك وجوه لا يمر عليها الزمن… بل يكتب عليها أجمل قصائده. وهناك تجاعيد لا تُنقص من الجمال شيئًا، بل تضيف إليه هيبةً ووفارا، لأنها ليست آثار سنواتٍ مضت، وإنما توقيع العمر على وجوه من منحوا الناس الفرح، وتركوا في ذاكرة الأوطان ضحكة، ودمعة، وحكاية.
لذلك لم أرَ في الصور التي أثارت الجدل ملامح الشيخوخة… بل رأيت تاريخًا كاملًا يقف أمامنا في هدوء، وكأنه يقول:
لقد أدينا رسالتنا… فهل آن أوان الوفاء؟ عندما يبتسم الزمن على الوجوه
كل خط في وجه فنان هو مشهد أمتعنا، وكل تجعيدة هي ليلة تصوير امتدت حتى الفجر، وكل انحناءة على الجبين تحمل حكاية نجاح، أو دمعة فشل، أو انتظار دور، أو تصفيق جمهور، أو دعاء أم كانت تنتظر ابنها حتى يعود من الاستوديو.
هذه الوجوه ليست وجوهًا أنهكها الزمن...
إنها خرائط للوطن العربي، مرَّت فوقها أفراحنا وأحزاننا، وضحكاتنا ودموعنا، فصارت جزءًا من ذاكرتنا الجماعية.
ومن الظلم أن نخجل من الشيخوخة.
فالشيخوخة ليست مرضًا، وليست هزيمة، بل هي الجائزة التي يمنحها الله لمن أطال عمره في العمل والعطاء. وما أجمل أن يصل الإنسان إليها وهو محاط بالرعاية، والاحترام، والدفء، وأصدقاء العمر.
وهنا تتجلى قيمة ما قام به الدكتور أشرف زكي.
فالرجل لم يبنِ دارًا للمسنين...
بل بنى بيتًا للوفاء.
بيتًا يقول لكل فنان: عندما تنطفئ الكاميرات، لن تنطفئ المحبة... وعندما يهدأ التصفيق، ستبقى الأيادي التي تمتد إليك، لأنك لم تكن يومًا مجرد ممثل، بل كنت صانعًا لوجدان أمة كاملة.
ومن يعرف أشرف زكي يعرف أن النقابة عنده ليست مكتبًا ولا كرسيًا.
إنها بيته الكبير.
وهؤلاء الفنانون ليسوا أعضاء في سجلات النقابة، بل هم أسرته الممتدة، يحمل همومهم كما يحمل الأب هموم أبنائه، ويسعى لهم في الرخاء كما يقف معهم في الشدة، ويؤمن أن النقابة لا تؤدي رسالتها إلا إذا احتضنت أبناءها في كل مراحل العمر، لا في سنوات النجاح وحدها.
ولذلك، لم أرَ في تلك الصور ما يدعو للحزن...
بل رأيت مجتمعًا لم ينسِ أبناءه.
ورأيت نقابةً لم تغلق أبوابها بعد انتهاء الأضواء.
ورأيت إنسانيةً تسبق كل اللوائح والقوانين.
إننا جميعًا نسير في الطريق نفسه...
وسيأتي يوم تصبح فيه أيدينا أقل قوة، وخطواتنا أبطأ، وتزداد على وجوهنا تلك الخطوط التي يحاول البعض إخفاءها، بينما هي في الحقيقة أوسمة منحها الزمن لمن عاش حياته بصدق.
وسيأتي يوم ينظر إلينا أبناؤنا كما ننظر نحن اليوم إلى آبائنا وأمهاتنا.
فهل سنخجل من تلك التجاعيد؟
أم سنقبلها كما تُقبل الأوسمة على صدور الأبطال؟
أنا أراها أوسمة...
أوسمة من الصبر...
وأوسمة من الكفاح...
وأوسمة من العمر الجميل.
ولهذا، فإنني لا أرى في صور هؤلاء الفنانين نهاية رحلة، بل أرى اكتمالها.
فالوردة ليست أقل جمالًا عندما يلين عطرها، والنهر لا يفقد عظمته عندما يقترب من البحر، والإنسان لا تقل قيمته عندما يشتعل رأسه شيبًا، بل تزداد مكانته كلما ازداد تاريخُه.
تحية حب وتقدير للدكتور أشرف زكي، الذي أثبت أن الوفاء لا يُكتب في البيانات، بل يُمارس على أرض الواقع.
وتحية لكل فنان كبير منحنا يومًا لحظة فرح، أو دمعة صدق، أو ابتسامة بقيت معنا سنوات طويلة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله ونحن ننظر إلى تلك الوجوه، ليس: كم غيَّرهم الزمن.
بل: ما أجمل الزمن... حين يترك على الوجوه آثار حياةٍ عاشت بشرف، وأحبت بصدق، وأعطت بلا حساب.
تحية للدكتور أشرف زكي، لأنه لم يكتفِ بتكريم الفنان على خشبة المسرح، بل أصر أن يكرمه أيضًا في خريف العمر، حين يصبح الاحتواء أعظم من التصفيق، والوفاء أجمل من الأضواء. فالأضواء تصنع النجومية، أما الكرامة فتصنعها المواقف، ويصنعها الوفاء، وتصنعها القلوب التي لا تنسى أصحاب الفضل، مهما تقدم بهم العمر، ومهما ابتعدت عنهم الأضواء