الدراما والبرامج النسائية… كيف تغيّرت صورة الأسرة بعد تعديلات قانون الأحوال الشخصية

مكتوب بواسطة Abouzekri
  • منذ 6 ساعة
  • 105


الدراما والبرامج النسائية… كيف تغيّرت صورة الأسرة بعد تعديلات قانون الأحوال الشخصية

الدراما والبرامج النسائية… كيف تغيّرت صورة الأسرة بعد تعديلات قانون الأحوال الشخصية

ابراهيم ابوذكري

على مدى ما يقرب من قرن، لم يكن قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد مواد قانونية تنظم الطلاق والحضانة والنفقة، بل كان مرآة تعكس حالة المجتمع وتوازناته. فمنذ صدور القانون الأول عام 1929 وحتى التعديلات اللاحقة، ظل الهدف المعلن هو حماية الأسرة المصرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تحققت هذه الحماية فعلاً، أم أن بعض التعديلات والرسائل الإعلامية الحديثة أسهمت – دون قصد – في إرباك هذا التوازن؟

في البداية، حين صدر قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929، كان المجتمع المصري يعيش في إطار أسري تقليدي واضح الأدوار. فقد حدد القانون سن الحضانة للولد بسبع سنوات وللبنت بتسع سنوات، وهي صيغة كانت تقوم على فكرة انتقال الطفل تدريجياً إلى دائرة الأب في مرحلة التربية والانضباط الاجتماعي.

ظل هذا الوضع قائماً لعقود، حتى جاءت مرحلة التغيير في أواخر السبعينيات. ففي عهد الرئيس الراحل أنور السادات صدر القانون رقم 44 لسنة 1979 الذي رفع سن الحضانة إلى عشر سنوات للولد واثنتي عشرة سنة للبنت. كان الهدف المعلن هو منح الأم مساحة أكبر لرعاية الطفل بعد الطلاق، لكن الجدل الذي صاحب هذا القانون كان كبيراً حتى قضت المحكمة الدستورية لاحقاً ببطلانه من حيث الإجراءات.

وفي عام 1985 صدر قانون جديد أعاد تقريباً نفس الفلسفة التشريعية، مع منح القاضي سلطة مد الحضانة حتى سن الخامسة عشرة للولد وحتى زواج البنت.

لكن التحول الأكبر جاء في عام 2005 في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، عندما صدر تعديل جعل سن الحضانة خمسة عشر عاماً للولد والبنت دون تفرقة. ومنذ تلك اللحظة بدأت تظهر نقاشات اجتماعية أوسع حول تأثير هذه التعديلات على العلاقة بين الأب وأبنائه بعد الطلاق.

ففي الواقع العملي، أصبح الأب في كثير من الحالات يكتفي بساعات محدودة للرؤية، بينما يعيش الأبناء طوال سنوات الطفولة والمراهقة بعيداً عن حضوره اليومي. ومع مرور الوقت ظهرت شكاوى متزايدة من بعض الآباء بأن دورهم التربوي أصبح هامشياً في حياة أبنائهم.

غير أن العامل الأكثر تأثيراً في السنوات الأخيرة لم يكن القانون وحده، بل المناخ الإعلامي الذي أحاط بهذه القضايا. فمع انتشار البرامج الحوارية والبرامج النسائية، تحولت مشاكل الأسرة إلى مادة يومية للنقاش على الشاشات. وأصبح الطلاق والحضانة والنفقة موضوعات رئيسية في حلقات كاملة تُقدَّم أحياناً بمنطق الصراع بين الرجل والمرأة.

لا أحد ينكر أن الدفاع عن حقوق المرأة قضية عادلة ومهمة، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الخطاب الإعلامي إلى رواية أحادية تصور الرجل دائماً باعتباره الطرف المخطئ، وتقدم الأسرة وكأنها ساحة مواجهة دائمة.

هذا الخطاب، مع مرور الوقت، بدأ يؤثر في الثقافة العامة وفي تصور الأجيال الجديدة للعلاقة الزوجية نفسها. فبدلاً من أن تكون الأسرة شراكة قائمة على التفاهم والمسؤولية المشتركة، أصبحت في بعض الخطابات الإعلامية أشبه بمعركة قانونية مؤجلة تنتظر لحظة الانفجار.

والنتيجة أن المجتمع بدأ يشهد ظواهر لم تكن مألوفة قبل عقود:
ارتفاع معدلات الطلاق، تزايد النزاعات القضائية بين الأزواج السابقين، وأطفال يكبرون في مناخ من التوتر القانوني والنفسي.

إن الأسرة المصرية ليست مجرد مؤسسة اجتماعية عادية؛ إنها الخليّة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع كله. لذلك فإن أي نقاش حول قانون الأحوال الشخصية يجب أن يتجاوز منطق الانتصار لطرف على حساب الآخر.

فالقضية في جوهرها ليست قضية رجل ضد امرأة، بل قضية توازن داخل الأسرة. توازن يحفظ للأم حقها في الرعاية، ويحفظ للأب دوره في التربية، ويضمن قبل كل شيء مصلحة الطفل الذي يجد نفسه غالباً الطرف الأضعف في كل هذه المعادلة.

ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي لقانون الأحوال الشخصية لا ينبغي أن يكتفي بتعديل الأرقام والسنوات في مواد الحضانة، بل يجب أن يرافقه خطاب ثقافي وإعلامي يعيد الاعتبار لفكرة الأسرة كشراكة لا كمعركة.

فالقوانين يمكن أن تُكتب في البرلمان، لكن استقرار الأسرة يُصنع في الوعي المجتمعي.


الدراما والبرامج النسائية… كيف تغيّرت صورة الأسرة بعد تعديلات قانون الأحوال الشخصية


قناة الإتحاد
إستطلاعات الرأي